مملكة الأنباط الأردنية، جزء: ٧ – المدن والحواضر النبطية ٣
تعد المواقع النبطية في المملكة العربية السعودية شاهداً تاريخياً على حضارة الأنباط العريقة. من أبرز هذه المواقع مدينة الحجر (مدائن صالح)، التي لعبت دوراً مهماً في التجارة على طريق البخور. كما أن مواقع أخرى مثل دومة الجندل وتيماء والعلا، تسلط الضوء على التأثير النبطي في المنطقة
المواقع النبطية في أراضي المملكة العربية السعودية
مدينة الحجر (مدائن صالح)
تقع مدينة الحجر في شمال غرب المملكة العربية السعودية، على بعد ١٠١ كيلومتر شمال مدينة العلا. تشكل الحجر سهلًا رمليًا طينيًا يقع عند ملتقى واديين: وادي الحمضة القادم من الغرب، ووادي المزز القادم من الشرق، حيث يصبان في وادي الدهيس، الذي يتجه بدوره نحو وادي الجزل. تحيط بالحجر جبال رملية ملونة من الجهتين الشرقية والغربية
كانت الحجر محطة هامة على طريق البخور الذي يربط اليمن بمدينة البتراء، كما أنها كانت متصلة بالطريق الساحلي المؤدي إلى ميناء “لوكي كومي” على البحر الأحمر، بالإضافة إلى طريق وادي السرحان
لعبت الحجر دور الحاضرة الجنوبية لمملكة الأنباط، بل ونافست مدينة البتراء نفسها في الفترة الممتدة من نهاية القرن الأول قبل الميلاد إلى القرن الأول الميلادي. تشير بعض الأدلة إلى أن الحجر تمتعت بنوع من الاستقلالية الإدارية والعسكرية، حيث عثر فيها على قطعة نقدية فريدة تحمل اسم الحجر من عهد الملك الحارثة الرابع. كما يعتقد أن الأنباط وجدوا أقوامًا أخرى مستقرة في الحجر قبل أن يهاجروا إليها من البتراء، وكان من بينهم الحارثة الرابع وعدد من أصحاب المناصب الرفيعة في الدولة
ويبدو أن الحجر كانت تمثل الحد الجنوبي الأقصى لمملكة الأنباط، والدليل على ذلك أن المناطق الواقعة إلى الجنوب منها تظهر فيها طرز معمارية وأساليب دفن تختلف عن تلك التي عرفها الأنباط. حتى العلا كانت خارج السيطرة السياسية النبطية، وكذلك خيبر، رغم العثور على نقوش نبطية فيها. فقد كانت الحجر، وليست العلا، المركز التجاري الجنوبي للأنباط، حيث كان دور العلا محدودًا في هذا المجال
لم يكن الأنباط بحاجة إلى إقامة حاميات مسورة في هذه المنطقة الجنوبية، إذ كانوا قادرين على استمالة القبائل المقيمة هناك بأساليب متعددة. ويرجح أن الحجر كانت تعمل كمحطة لتجميع البضائع قبل نقلها إلى ميناء “لوكي كومي” القريب من البحر الأحمر (ميناء “لوكي كومي” هو مدينة ميناء نبطية تقع على طريق البخور، وهو ميناء تاريخي يقع في واحة عينونا بمحافظة ضباء، التابعة لمنطقة تبوك في شمال غربي المملكة العربية السعودية)، حيث يتم تجهيزها للتصدير إلى الأسواق المصرية، وخاصة إلى الإسكندرية، التي كانت الميناء المفضل لدى الرومان، وظلت كذلك بالنسبة للعالم الغربي (الإغريقي-الروماني)
كما أن هذه المنطقة الجنوبية كانت تشكل حلقة الوصل البحرية مع الهند
أفادت المصادر بأن منطقة الحجر كانت موطناً لقبيلة (سلمي – سلمو)، وهي قبيلة كبيرة ذكر اسمها في النقوش وعدد من النصوص التاريخية بصيغ متعددة متقاربة. يعتقد أن هذه القبيلة هي الأصل لقبيلة “بني سليم”، التي اشتهرت منذ العصر الجاهلي في محيط منطقة الحجر. ولا تزال منازل “بني سليم” تمتد اليوم شمالي مكة المكرمة وصولاً إلى المدينة المنورة (يثرب)
ويرجح أن الأنباط، عند زحفهم جنوباً، أبرموا اتفاقاً مع هذه القبيلة ذات النفوذ القوي في المنطقة، بما يضمن الحفاظ على استقلالية المنطقة. كما يعتقد أن أقواماً أخرى سكنت الحجر، ومنهم قبيلة ثمود
وقد وردت قصة النبي صالح عليه السلام مع قوم ثمود في القرآن الكريم في سبعة عشر موضعاً. وقد وصفهم الله تعالى بأنهم أنعم عليهم بالثراء والقوة، فكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً ويبنون القصور في الأودية. ومع ذلك، جحدوا وعبدوا الأوثان. فأرسل الله إليهم نبيه صالحاً عليه السلام ليدعوهم إلى عبادة الله
كانت منطقة الحجر مقراً لقبائل ثمود، كما أكدت ذلك الدراسات الأثرية والتاريخية. وبعد زوال حكم ثمود، بسط اللحيانيون سيطرتهم على الحجر، ويعتقد أنهم ينحدرون أيضاً من أصول ثمودية. لاحقاً، انتقلت المنطقة إلى حكم الأنباط، الذين تمكنوا من توسيع نفوذهم ليشمل شمال غرب الجزيرة العربية
تعد مدائن صالح، أو الحجر، واحدة من المواقع الأثرية التي يطلق عليها اسم “المتحف المفتوح”، إذ تضم آثاراً ثمودية ولحيانية ونبطية. ويبلغ عدد المدافن في مدائن صالح ١٣١ مدفناً، تعود إلى الفترة النبطية، والتي تمتد من العام الأول قبل الميلاد حتى عام ٧٥ ميلادي
وقد اشتهرت قبور الحجر بالأسماء التي أطلقها عليها السكان المحليون، حيث أطلقوا عليها مسميات القصور نظراً لجمالها، واعتقاداً منهم بأنها كانت مساكن للأقوام السابقة. ومن أبرز هذه القبور
- قصر الفريد
- العجوز
- الديوان: معبد نبطي مستطيل الشكل وغير منتظم، منحوت داخل الصخر، وكان يستخدم في الطقوس الدينية
- محلب الناقة: يرجح أن هذا الحوض الدائري كان من بقايا المعبد النبطي
- قصر الصانع: ويعرف أيضاً بمقابر الأسود، وسمي بهذا الاسم نسبة إلى الكائنات المنحوتة أعلى بعضها والتي تشبه الأسود، ويضم هذا الموقع ٢١ قبراً
دومة الجندل (الجوف)
تقع دومة الجندل على أطراف صحراء النفوذ الشمالية، وكانت مركزًا لحكم ملوك الأدوميين. ومن أبرز معالم منطقة “الجوف” التاريخية معقلها الحصين المعروف بقصر “مارد” أو “الأكيدر”، والذي يعتقد أنه شيد قبل القرن الثالث قبل الميلاد. وقد اكتشف في منطقة الجوف العديد من النقوش المعينية والثمودية واللحيانية والنبطية
حكم دومة الجندل الأكيدر بن عبد الملك السكوني، وهو عربي ينتمي إلى قبيلة كندة الجنوبية. كما كانت دومة الجندل سوقًا عربية مشهورة. ورغم قلة المعلومات المتوفرة عن علاقة هذا الموقع بدولة الأنباط، فإن النقوش المكتشفة تشير إلى وجود شكل من أشكال الاتصال، قد يكون تجاريًا أو حتى سياسيًا، ضمن نطاق نفوذ الأنباط
تيماء
ظهرت تيماء في السجلات التاريخية القديمة بشكل بارز يفوق أي مدينة أخرى في الجزيرة العربية، ويرجع ذلك بلا شك إلى دورها المحوري في شبكة التجارة الواسعة. فقد كانت تيماء تشكل مركزاً حيوياً يربط بين جنوب وجنوب شرق الجزيرة العربية من جهة، وبابل ومصر وسوريا من جهة أخرى. وعلى الرغم من عدم وضوح مدى النفوذ النبطي في تيماء، إلا أنه من المحتمل أن مدائن صالح كانت تقع ضمن نطاق نفوذها في ذلك الوقت. وهذا يدعم الفرضيات التي تشير إلى أن الحجر تمتعت بقدر كبير من الاستقلال عن الدولة النبطية
العلا
لا تزال مواقف الباحثين الأثريين والمؤرخين متباينة وغير واضحة بشأن مكانة العلا في سياق الدولة النبطية. فبينما يرى البعض أنها منطقة تخضع لنفوذ الأنباط وتتبع مدينة الحجر، وهو الرأي الأكثر ترجيحًا، يعتقد آخرون أنها تقع خارج حدود الدولة النبطية. الجدير بالذكر أن “الحجر” كانت مركزًا رئيسيًا لنفوذ الأنباط، في حين كان دور العلا محدودًا
المراجع
عزام أبو الحمام المطور، الأنباط تاريخ وحضارة، دار أسامة للنشر و التوزيع، عمان – الأردن
باسم الطويسي , التاريخ الاجتماعي لمنطقة البتراء وجوارها
Nelson Glueck, The Other Side of Jordan – Cambridge, 1970
Diodorus: Diodorus of Sicily, (The Loeb Classical Library), Newyork, 1937