مملكة الأنباط الأردنية، جزء: ٧ – المدن والحواضر النبطية ٤
تعد منطقة حوران من المناطق الاستراتيجية والهامة في تاريخ الأنباط، حيث تقع بين الأردن وسوريا وتتميز بأهمية زراعية وتجارية بارزة. ارتبطت المنطقة ارتباطًا وثيقًا بالحضارة النبطية، حيث كانت تعد مركزًا هامًا للتجارة والطرق بين مناطق متعددة. في هذا النص، نستعرض تاريخ المنطقة، وأثر الأنباط فيها، وما تركوه من آثار تعكس ازدهار حضارتهم، بالإضافة إلى دورهم في استثمار الأراضي والتجارة في الصحراء
منطقة حوران
حوران هي هضبة تقع بين الأردن وسوريا وتمتد جنوب دمشق، يحدها من الشمال وادي اليرموك وجبال عجلون، ومن الجنوب الشرقي منخفض الأزرق، بينما تحدها هضبة الجولان وجبل الشيخ من الغرب، وصحراء الحماد وجبل العرب من الشرق. تكتسب المنطقة أهمية استراتيجية كونها همزة وصل بين وادي السرحان، الطريق القادم من الجزيرة العربية إلى سوريا، وبين شمال سوريا وجنوبها. كما تتميز بأهميتها الزراعية، حيث كانت تشكل مستودعًا للحبوب والفواكه
عرفت حوران في عهد الأنباط باسم “باشان“، وقد خضع معظمها لمملكة الأنباط، حيث كانت بصرى عاصمتهم الثانية وأحد أهم مراكزهم التجارية. أنشأ الأنباط في حوران عدة مدن ومستوطنات، مثل أم الجمال، سيع، قنوات، واللجاة، كما تمكنوا من ربط دمشق بشبكة من الطرق التابعة لهم
يعود وجود الأنباط في حوران إلى فترة زمنية مقاربة لوجودهم في منطقة النقب، حيث أسسوا العديد من المستوطنات والمدن التي تعكس ازدهار حضارتهم في المنطقة
يعود وجود الأنباط في حوران إلى فترة قريبة من ظهورهم في النقب، أي في بداية القرن الأول قبل الميلاد. وتشير بردية “زينون” إلى وجودهم في المنطقة حوالي عام ٢٥٩ ق.م، إلا أن طبيعة هذا الوجود المبكر لا تزال غير واضحة. ويرجح أن سيطرة الأنباط الفعلية على حوران لم تحدث إلا في عهد الملك عبادة الأول، عندما واجه القائد اليهودي جانيوس عام ٩٣ ق.م في صراعه على الجولان، وكذلك في عهد الملك حارثة الثالث الذي استولى على دمشق عام ٨٥ ق.م
على الأرجح، لم يكن وجود الأنباط في حوران كثيفًا من حيث السكان، مما يشير إلى أنهم كانوا حكامًا أكثر من كونهم مجتمعًا نبطيًا كبيرًا. كما أن عدم تدخلهم بشكل فعال عند سيطرة الملك الأرمني “دكران” على دمشق عام ٧٢ ق.م يدل على أن وجودهم كان أشبه بموقع “شيوخ” قبليين يدينون بالولاء الاسمي للدولة النبطية
يثير هذا تساؤلات جوهرية حول علاقة الأنباط بمنطقة حوران، إذ تبدو هذه المنطقة شبه منفصلة جغرافيا عن الأنباط بفعل حاجزين رئيسيين: حلف المدن العشر (الديكابوليس) والمنطقة المعروفة باسم بيريا (بيرية). وكانت الطرق المؤدية إلى حوران تمر إما عبر المدن العشر أو من خلال وادي السرحان الذي يمتد شرقا قبل أن يلتف مجددا ليصل إلى حوران. إضافة إلى ذلك، كان استيطان الأنباط في حوران محدودا، وتأثيرهم في أحداث المنطقة ضعيفا
مملكة بيريا
ومع ذلك، يبدو أن حوران كانت بالنسبة للأنباط منطقة نفوذ تجاري في المقام الأول. إلا أن المؤرخ ستاركي يضفي أهمية كبيرة على الوجود السياسي للأنباط في حوران، ليس فقط بسبب مناخها المعتدل وتربتها الخصبة، بل أيضا استنادا إلى محاولات السلوقيين المتكررة لإنهاء النفوذ النبطي في المنطقة من خلال إثارة الفتن وشن الهجمات المباشرة. ومن المحتمل أن الأنباط ازدادوا اهتماما بحوران بعد أن أصبح الخطر السلوقي يهددهم بشكل واضح، مما دفعهم إلى اتخاذ حوران مركزا لانطلاقهم في مواجهة السلوقيين، والسيطرة على الجولان، والقضاء على الأحلاف المعادية
لذلك، أنشأ الأنباط جبهة دفاعية متينة تمتد من درعا إلى بصرى وصولاً إلى صلخد، حيث ازدهرت هذه المدن الثلاث وشهدت نهضة عمرانية ملحوظة، بالإضافة إلى بناء تحصينات قوية، ففي منطقة حوران، وجدت عدة مراكز نبطية، ومن أبرز ما تم اكتشافه حتى الآن
بصرى
تعد بصرى من أبرز المراكز النبطية، وتزخر بالعديد من البقايا المعمارية التي تشهد على عظمتها التاريخية. كانت بصرى تحتل المرتبة الثانية أو الثالثة تجاريًا بعد البتراء ومدينة الحجر في الجنوب. بعد ضم الرومان لمملكة الأنباط إلى ولايات الإمبراطورية الرومانية عام ١٠٦ ميلادية، أصبحت بصرى عاصمة للولاية العربية. وتظل بقايا العمارة النبطية فيها شاهدة على هذا الإرث العريق
عمارة نبطية - بصرى
السويداء (سوادا)
تعد السويداء واحدة من أبرز المراكز النبطية، وتكتسب مكانتها من المعالم المعمارية والدينية التي لا تزال قائمة فيها. تزخر المدينة بالمباني والمذابح والمنشآت التعبدية الأخرى، مما يدل على أهميتها خلال العصرين النبطي واليوناني. في قلب المدينة، يوجد معبد نبطي يعتقد أنه كان مكرسًا للإله النبطي “ذو الشرى“، ولا تزال ثلاثة أعمدة جميلة ذات تيجان كورنثية قائمة وسط طريق ضيقة مرصوفة بحجارة البازلت
كما تضم السويداء بقايا جدران سميكة ومرتفعة، والتي كانت تشكل إحدى قلاع الأنباط، وتقع في الجهة الغربية من المدينة بالقرب من ساحة سمارة الحالية. وعلى السفح الغربي، على طريق ظهر الجبل، تنتشر عدة أبراج يرجح أنها استخدمت لأغراض دفاعية
سيعا (سيع) (سيا)
تقع على بعد عدة كيلومترات جنوب شرق قنوات، وكانت موقعًا محصنًا تحيط به الأسوار العالية وتحتوي على عدة أبواب، لا يزال الباب الشرقي منها واضحًا حتى اليوم. في الجزء الغربي من الموقع، قام الأنباط ببناء معبدين في النصف الثاني من القرن الأول قبل الميلاد (حوالي ٣٣ ق.م): الأول كان مكرسًا للإله “ذو الشراة“، والثاني للإله “بعل شمين“، إله السموات
لم يتبقَ من هذه المعابد سوى الأساسات وبعض العناصر المعمارية المتناثرة في الموقع ومحيطه. كما تحتوي سيعا على بقايا كبيرة من الآثار النبطية، بما في ذلك مسرح صغير ومعبد مخصص للإله “ذو الشراة”، بالإضافة إلى عدد كبير من النقوش والقطع الزخرفية
تعد سيعا مركزًا دينيًا هامًا لدى الأنباط، ويرجح أن معبد “بعل شمين” في سيعا كان من أكبر المقامات الدينية النبطية في تاريخ المملكة، حيث يضم كافة التفاصيل المعمارية التي تميز المعبد النبطي
صلخد (سلخة) و(صرخد)
تضمان القلعة الشهيرة التي ورد ذكرها في كتب المؤرخين وكتاب العهد القديم، حيث كان الأنباط هم أول من بنى التحصينات فيها. ومن ثم، استخدمت في العصور اللاحقة كحصن قوي للدفاع ضد هجمات الأعداء
الخرب
التي عرف منها حتى الآن، مدينة دوبو/ تل دبة المكتشف مؤخرا. ثم تل القينة ويشتمل على مجموعة من الأبنية الحصينة بحجارة ذات قطع كبيرة ومنها كان يمكن مراقبة السهل الممتد حتى شرقي الأردن وكامل منطقة شهبا شمالا
منطقة النقب الفلسطيني
القسم الجنوبي من فلسطين هو منطقة مثلثية الشكل، حيث يقع رأسه في “المرشرش” مقابل خليج العقبة. تشمل هذه المنطقة الأراضي الواقعة بين قضائي غزة والخليل من جهة، وشبه جزيرة سيناء وشرقي الأردن وجنوبي البحر الميت من جهة أخرى. يمتاز هذا القضاء بخصائص طبيعية وسكانية تختلف عن بقية مناطق البلاد، ويشمل أيضاً منطقة الصحراء الفلسطينية الواقعة إلى جنوبه. تبلغ مساحته حوالي ١٢,٦ كيلومتر مربع، أي ما يعادل تقريباً نصف مساحة فلسطين. يسود المناخ الصحراوي الحار جداً في الصيف والبارد قليل الرطوبة في الشتاء. وعلى الرغم من طبيعته الصحراوية الجافة وقلة سكانه، فإن المنطقة تعد مركزاً مهماً للتعدين، حيث تزخر بمعظم المعادن المحلية. كما أن النقب يعد نقطة استراتيجية هامة، كونه جزءاً من الطريق الذي يربط بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، إضافة إلى الطريق البري الذي يمر عبر مصر وفلسطين وجنوب الأردن وشمال شبه الجزيرة العربية
يمكن تقسيم النقب إلى أربع مناطق بناءً على تكوين الأرض. في الشمال، توجد منطقة مسطحة تشكل امتدادًا لمنطقة بئر السبع، تليها عبر النقب، جبال النقب، ثم بكران، تليها تلال إيلات الوعرة. كما يرتبط النقب بمنطقة وادي عربة ذات المناخ الصحراوي، التي تعتبر جزءًا من غور الأردن، البحر الميت وخليج العقبة
عرف الأنباط صحراء النقب باعتبارها ممراً رئيسياً للطرق التجارية التي تربطهم بمصر عبر غزة، ومن المحتمل أنهم قاموا بتأسيس مستوطناتهم التجارية والصناعية في النقب بعد أن أسسها الأدوميون. لكن الأنباط تركوا بصماتهم الخاصة في العديد من الأماكن حتى أصبح من الصعب التمييز بين الآثار الأدومية والأنباطية. ويعزى للنقب العديد من الإنجازات النبطية التي قل نظيرها، كما شهد العديد من الباحثين بعد اكتشافهم لإبداع الأنباط في التكيف مع هذه الصحراء القاسية، حيث حولوها إلى مزارع وبساتين رغم ندرة الأمطار وشدة المناخ. ووصفهم الدكتور جواد علي قائلاً: لقد أظهر الأنباط، وهم من الرعاة، قدرة فائقة في التكيف مع بيئتهم وتبنيهم لأساليب الحياة الحديثة. تمكنوا من استغلال أرضهم ومواردها الطبيعية، وتعلموا استخراج النحاس والحديد من مناجم ‘أدوم’، واستخدموا هذين المعدنين في صنع الأدوات اللازمة لحياتهم
ويبدو أن استثمار النقب، أو على الأقل بداية العمران النبطي فيه، لم يبدأ قبل القرن الثالث قبل الميلاد. ففي تلك الفترة، بنى الأنباط مدينة “عبدة”، بينما تأسست مدينتا “كرنب” و”خلصة” في فترة متأخرة نسبياً، أي في القرن الأول الميلادي. أما بالنسبة للزراعة النبطية التي لفتت أنظار الباحثين، فإنها كانت مرتبطة بازدهار الطرق التجارية، مما يعني أن الطرق التجارية كانت أسبق في التطور من الزراعة. وهذا أمر منطقي، إذ أن الزراعة وحدها لا تكفي للاستقرار في هذه المستوطنات ما لم توجد أسواق لبيع هذه المنتجات الزراعية. من المؤكد أن المنتجات الزراعية من خضار وفواكه كانت تلقى قبولاً كبيراً من قبل أصحاب القوافل الذين كانوا يعبرون الصحاري، وكانوا يتوقون للحصول على هذه المنتجات الطازجة في ذلك المناخ القاسي
قام الأنباط بتأسيس العديد من المستوطنات في منطقة النقب، التي كانت تقع على الطريق المؤدي إلى غزة، حيث خدمت هذه المستوطنات قوافل التجارة من جهة، كما كانت تعد مراكز لبعض الصناعات الشهيرة مثل صناعة الفخار النبطي، بالإضافة إلى كونها مواقع لاستخراج المعادن القريبة، وربما تصنيعها وتجارتها على مسار القوافل. ومن أبرز هذه المراكز النبطية التي ما زالت معروفة حتى الآن
الخلصة: كانت الخلصة تمثل منطقة إدارية في النقب، ويحدها من الشرق مستوطنة كرنب النبطية، ومن الجنوب مستوطنة عبودة على الطريق التجاري النبطي المتجه إلى غزة
كرنب: تقع كرنب على تلة صغيرة ترتفع ٤٩٤ مترًا عن سطح البحر، وهي تبعد عدة كيلومترات جنوب ديمونا عند ملتقى الطرق القديمة. يعود أقدم استيطان نبطي في كرنب إلى النصف الأول من القرن الأول الميلادي
عبودة (عبدة): تقع عبودة على الطريق التجاري الرئيسي الذي يربط بين البتراء وغزة. تضم عبودة معبدًا وقلعة نبطية، وهي عبارة عن مبنى سكني منظم تحيط به أسوار دفاعية، بالإضافة إلى برجين دفاعيين يتكون كل منهما من ثلاثة طوابق. ويبدو أن الاستيطان في عبودة استمر حتى الفترة البيزنطية. من المحتمل أن عبودة سميت بهذا الاسم نسبة إلى الملك النبطي الذي بناها أو ربما توفي فيها، وفقًا لما ذكره عبادة الثالث (٣٠ – ٩ ق.م)، الذي خفت شهرته كملك لصالح وزيره القوي سيلي (صالح)
(عبدة) الصورة على اليمين: بوابة المعبد النبطي في مدينة عبدات
(عبدة) الصورة على اليسار: المكان المقدس في المعبد النبطي في مدينة عبدات
نصتان: هي المستوطنة الرابعة المعروفة فيها آثار ظاهرة, تكاد تضاهي “عبدة ” في أهميتها
صحراء سيناء: الآثار في سيناء نادرة، ولا يعرف وجود أي أبنية أو مستوطنات نبطية ظاهرة فيها. كانت سيناء تعتبر امتدادًا للطريق البري إلى مصر عبر العريش وغزة، لكن هذا الامتداد لم يكن استيطانيًا أو سياديًا على المنطقة بقدر ما كان نفوذًا تجاريًا مرتبطًا بالطرق التجارية
المراجع
عزام أبو الحمام المطور، الأنباط تاريخ وحضارة، دار أسامة للنشر و التوزيع، عمان – الأردن
باسم الطويسي , التاريخ الاجتماعي لمنطقة البتراء وجوارها
وليد جابر أبو رائد، الآثار النبطية في السويداء على ضوء المكتشفات الأثرية الجديدة، موقع السويداء
Nelson Glueck, The Other Side of Jordan – Cambridge, 1970
Hammond.P.C, The Nabataeans, Their History, Culture & Archaelogy (Gothenburg,Sweden,Paul Astrom Forag, 1973)
Diodorus: Diodorus of Sicily, (The Loeb Classical Library), Newyork, 1937
Strabo: The Geography of Strabo, (The Loeb Classical Library), Cambridge,mass, 1961